خرجت من المكتب بعد ساعتين، لكنني لم أعد الشخص نفسه الذي ډخله. كنت أمشي ببطء في ممر البرج الزجاجي، بينما أفكر في شيء واحد فقط أبي لم يطردني لأنني فاشل. بل لأنه ظن أنني ضعيف. وهذه كانت أكبر غلطة ارتكبها في حياته.
في تلك الليلة، أقيمت حفلة لؤي. حفلة ضخمة في أحد فنادق دبي الفاخرة. أكثر من مئتي ألف درهم صُرفت في ليلة واحدة. الثريات الذهبية انعكست فوق الأرضية الرخامية. الموسيقى الهادئة. روائح العطور الفرنسية. والرجال الذين يتحدثون عن المال وكأنهم يتحدثون عن الطقس.
كان أبي يقف وسط القاعة بكندورته البيضاء وساعته الباهظة، يبتسم بفخر أمام الجميع. أما لؤي فكان يتحرك بين الحضور وكأنه أمير منتصر. سمعت أحدهم يقول ما شاء الله ابن راشد سيدرس في لندن. ورد آخر واضح أن راشد يعرف كيف يربي أبناءه. كدت أضحك. لو عرفوا الحقيقة فقط.
وفي منتصف الحفل، رفع أبي كأس العصير عاليًا وقال بصوت قوي ابني لؤي رفع رأسي. كل سنوات التعب لم تذهب هباءً. صفق الجميع. أما موزة، فكانت تنظر إليه بفخر وكأنها انتصرت أخيرًا. ثم رن هاتف أبي. نظر إلى الشاشة. وتغير وجهه فورًا.
اعتذر للحضور وتحرك بعيدًا نحو زاوية هادئة. لكن ملامحه كانت كافية لتكشف أن شيئًا ما حدث. شيء سيئ. بعد دقائق، عاد وهو يحاول الحفاظ على هدوئه. إلا أنني كنت أعرف ذلك الوجه جيدًا. كان خائفًا. اقتربت منه موزة بسرعة وهمست ما الذي حدث؟
رد بصوت منخفض غاضب المحامي خالد تواصل معي. اتسعت عيناها فورًا. لماذا؟! ضغط أبي على فكه بقوة. ثم قال الجملة التي جعلت الډم يتجمد في عروقها سالم ذهب إليه. في تلك اللحظة بالذات كنت أجلس في شرفة شقة خالتي الصغيرة في الشارقة، أشرب الشاي بصمت. هاتفِي أمامي.
والصورة التي أرسلها خالد قبل دقائق ما تزال ظاهرة على الشاشة. إشعار رسمي من المحكمة. تجميد أي تصرف قانوني يخص أملاك والدتي حتى حضوري الشخصي. بمعنى آخر أبي لم يعد يستطيع لمس شيء. ابتسمت لأول مرة منذ فترة طويلة.
ثم رفعت رأسي نحو أضواء دبي البعيدة. وأقسمت لنفسي هذه مجرد البداية. في صباح اليوم التالي، استيقظت على عشرات الاتصالات الفائتة من أبي. رسائل متتالية. أين أنت؟ يجب أن نتحدث. لا تجعل الناس تتدخل بيننا. ضحكت بسخرية.
الناس؟ أي ناس؟ هو نفسه كان مستعدًا لرميي في الشارع قبل يومين. رن الهاتف مجددًا. هذه المرة أجبت. جاء صوته هادئًا بشكل مصطنع سالم ارجع إلى البيت ونتفاهم. أخذت رشفة من الشاي قبل أن أقول ظننت أنه لا مكان للفاشلين في منزلك. ساد الصمت.
ثم قال بحدة كنت غاضبًا فقط. أجبته ببرود وأنا أيضًا. ثم أغلقت الخط. بعد ساعات، انتشر خبر غريب داخل العائلة. الحسابات البنكية الخاصة ببعض شركات أبي تعرضت للتجميد المؤقت. البنوك بدأت تطالب بضمانات إضافية. ومشروع عقاري ضخم توقف تمويله فجأة.
الذعر بدأ يتسلل إلى حياته المثالية. أما موزة فبدأت تدرك للمرة الأولى أن المشكلة الحقيقية لم تكن أنا. بل أن كل شيء بنوه كان قائمًا فوق أرض متصدعة. في المساء، تلقيت اتصالًا من رقم مجهول. أجبت بحذر. جاءني صوت لؤي.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.